ساسي سالم الحاج

149

نقد الخطاب الاستشراقي

الإسلامية الصحيحة أنه أصبح هو الآخر مسلما باستثناء رواية المسعودي التي أشرنا إليها في إبّانها . كما كان ردّنا واضحا على حجج « رودنسون » الذي حاول تفسير الوحي الإلهي المنزّل على الرسول بأنه درجة من درجات التصوّف التي مرّ بها والتي وقف فيها عند أعتاب الاتحاد باللّه والحلول فيه . ولا داعي إلى إعادة ما سطرناه في هذا المقام منعا للتكرار . ولعلّ من النقاط الرئيسة التي تستأهل الرد والمناقشة هي قضية « الدثار » التي حاول وات وردنسون إعطاءها تفسيرا متعسفا يتجاوز حقيقتها العلمية والتاريخية . ونحن نعلم أن « الدثار » قد حصل مرة واحدة ، وحدث كذلك بعد نزول الوحي لا قبله ، وهو ليس وسيلة لاستجلاب الوحي ، ولا لتصحيح الأخطاء ، ولا طريقة للتحصن من الجن والأرواح الشريرة على طريقة الساميين . ولكن الذي حصل طبقا للروايات الإسلامية المتواترة أن هناك العديد من الآراء التي تؤيد نزول هذه السورة قبل سورة العلق . وبالتالي فإن « الدثار » لم يستخدم للأغراض التي ذكرها وات ورودنسون . ثم إن الرسول قد ذكر - بأسانيد مختلفة - أنه بينما كان عائدا من غار حراء نودي عليه فنظر عن يمينه وعن شماله فلم ير شيئا ، ثم رفع رأسه فرأى الملك الذي جاءه في غار حراء قاعدا على كرسيّ بين السماء والأرض فجثا منه حتى هوى إلى الأرض وجاء إلى أهله يقول : « زملوني ، زملوني » فدثروه فأنزل يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ « 1 » [ المدثر : 1 و 2 ] . وفصل الطبري في تفسير كلمة « المدثر » فقال بعضهم معناها « النائم في ثيابه » . وقال بعضهم الآخر يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ « النبوة وأثقالها » وفسّرها عكرمة بقوله : « دثرت هذا الأمر فقم به » « 2 » . وهكذا ترى أن جميع هذه التعابير لا تعني البتّة ما ذهب إليه أصحابنا من المستشرقين من تفاسير تعسفية لهذا الاصطلاح الذي يراد به وصف الرسول بصفات لا تتفق وما هو معهود به فيه من العقل ، والرزانة ، والأمانة ، والاستقامة . وعندما تحدث المستشرقون عن المعارضة القرشية للدعوة الإسلامية ، وكيفية معاملتهم للمسلمين الأوائل فقد اختلفوا في الأسباب والكيفية . فهذا « موير » يرجع سبب المعارضة إلى التمسك بعبادة الأصنام والأجداد يضاف إليها عوامل الغيرة

--> ( 1 ) أ - الطبري ، تفسير الطبري ، الجزء التاسع والعشرون ، ص 90 . ب - ابن كثير ، تفسير ابن كثير ، الجزء السابع ، ص 153 . ( 2 ) الطبري ، تفسير الطبري ، الجزء « 29 » ، ص 91 .